74066887.self-reflection.150817

في الصيف، كنت قد قرأت كتابًا لـ“ليندا نيلسون” بعنوان “كيف تنشئ طلابًا يتمتعون بالتنظيم الذاتي: استراتيجيات لتعزيز الوعي الذاتي ومهارات التعلُّم لدى الطلاب”، والذي يُقدِّم للمعلمين باقة ثرية من الواجبات والأنشطة التي من شأنها أن تساعد الطلاب على تنمية قدرة التنظيم الذاتي وما وراء القدرات المعرفية لديهم.. وقد كان، ولا يزال، تعليم الطلاب كيفية الاعتماد على أنفسهم في الدراسة والتقييم الذاتي لأدائهم هو الهدف الذي أسعى إليه منذ سنوات قليلة مضت؛ لأنني على يقين من أن عمليات التقييم الذاتي الوجيزة ـ في بعض الأحيان ـ يمكنها أن تساعدهم على الأداء بشكل أفضل، وعلى فهم عملية التعلُّم.

أنا أدرِّس الإسبانية، ولقد لاحظت ـ على مر السنين ـ أنه مع انتقال طلاب اللغة إلى مستويات أعلى من المناهج الدراسية، وأعلى من الكفاءة، صاروا قادرين على إدراك وتحديد المحتوى الدراسي (القواعد والمفردات) والمهارات (السرد، والتفكير، والتحدُّث في موضوعات مجردة) التي يعد إتقانها من أكثر الأمور تحديًا.

وعلى الرغم من تزايد إجادتهم للغة فإنهم لا يزالون في عِداد المبتدئين عندما يتعلق الأمر بالتنظيم الذاتي للتعلُّم؛ إذ

إنهم يفتقرون إلى مجموعة كبيرة من استراتيجيات الدراسة وعادات التقييم الذاتي المطلوبة في مجالات التعلُّم الأكثر صعوبة وتحدِّيًا.. ولكن ما إن فطِن الطلاب إلى الفارق بين كمية الجهد المبذول ومقدار التعلُّم الفعلي حتى بدءوا يبحثون عن أدلة التعلُّم الفعَّال وإدراجها في مقالات الرأي الخاصة بهم.

وفي السنوات الأخيرة، بدأت أطلبُ من الطلاب في المستويات المتقدمة من دورات اللغة الإسبانية أن يصوغوا أهدافهم الشخصية في بداية الفصل الدراسي؛ إذ يقول نيلسون في كتابه إن تحديد الأهداف هو ما يُميز الطلاب المنظمين ذاتيًّا، وهو أحد الأشياء التى يقومون بها عندما يُكلفون مُهمةً جديدةً (17، 18).

وحيث إن طلابي المتقدمين قد درسوا الإسبانية لعدة سنوات، وصار لديهم وعي أكبر بمواطن القوة وجوانب الضعف لديهم كدارسين للغة، طلبت منهم تخصيص جزء كبير – 15 إلى 20% تقريبًا – من المُقرر الدراسي لهذا الترم لتحديد الأهداف الشخصية لهم خلال ذلك العام الدراسي.

وبالفعل بدءوا يكتبون هدفين أو ثلاثة أهداف شخصية سيسعون إلى تحقيقها في ذلك الفصل الدراسي، مستعينين في ذلك بقائمة إرشادية لبعض الأمثلة على الأهداف المُحتملة، ثم يبدءون بعد ذلك في تحديد أساليبهم الخاصة في تحقيقها، وتقديم تقرير مُفصل عن الموارد التي سوف يستخدمونها، وعن خطة العمل التي سيطبقونها خلال ذلك “الترم”.

وطوال الفصل الدراسي، يقوم كل طالب بكتابة أهدافه وأساليبه في مُستند على جوجل.. ثم أقوم، بدوري، بكتابة التعليقات المناسبة والمراجعات المطلوبة.. كما يقومون خلال الفصل الدراسي الواحد بكتابة مقال “تأملي” أو “مقال رأي” قصير (من ثلاث أو أربع فقرات) يقيّمون فيه التقدُّم الذي أحرزوه فيما يتعلق بأهدافهم الشخصية، كما يضمِّنون فيه أيضًا بعض الأمثلة من أعمالهم؛ لإظهار ما تعلموه، ثم يقومون بتقديمها إلكترونيًّا في المستند نفسه؛ حيث وضعت أهدافهم الشخصية، وأقوم أنا بعد ذلك باستخدام خاصية التعليقات لكتابة رأيي حولها.

ويحتوي المثال التالي على جزء من أول مقال رأي لأحد الطلاب مع تعليقاتي في الهامش الجانبي:

image-for-Aug-17-post

تُعد المقالات التأملية هي العنصر الأساسي في جعل هذه العملية مُجدية في التقييم الذاتي للطلاب؛ إذ تبين أن معظمهم من ذوي المستوى المتقدم يعرفون جوانب الضعف لديهم أثناء تعلُّم الإسبانية، كما أنهم قادرون على التعبير عن أهدافهم بطريقة مُحدّدة.

ومع ذلك، فقد جاءت نتائج المقال التأملي الأول لتكشف عن وجود فجوة كبيرة بين ما يريد الطلاب إنجازه من أهداف وبين كيفية إبرازهم وعرضهم لها؛ لذلك كانت تعليقاتي لهم في أول مقال انعكاسي دائمًا ما تشير إلى حاجتي للحصول على أمثلة أكثر تحديدًا منهم، والتي من شأنها أن توضح مدى تقدمهم نحو تحديد أهدافهم الشخصية.

لكن المشكلة الحقيقية في هذا التمرين هو أنه أحيانًا ما يستهين الطلاب بالوقت اللازم للقيام بتحديد الأهداف بشكل فردي، في حين يخفق آخرون في تحديد المصادر اللازمة لذلك.. أما ما يحدث في معظم الأحيان هو أن يقوموا بالخلط بين فعل “العمل” نفسه نحو تحقيق الأهداف الشخصية وبين وجود الأدلة الفعلية التي تثبت تحقيقها.. وهذا هو سبب حبي لذلك النوع من أنواع التقييم الذاتي؛ إذ إنه يُمكِّنهم من إدراك الفارق بين حجم الجهد المبذول ومقدار التعلُّم الفعلي المُحقق.

وأكرر هنا مرة أخرى أنه بمجرد أن يلاحظ الطلاب ذلك الفارق ويُرفع عنهم ذلك الخلط سيبدءون في البحث عن أدلة التعلُّم وإدراجها في مقالاتهم التأملية المتكررة.

shutterstock_331207127

وتبعًا لأهدافهم المُعلنة مُسْبَقًا، قد يقومون بعرض أمثلة لبعض المفردات اللغوية الأكثر بلاغةً، أو بعض المعلومات الأكثر تطورًا ورُقيًّا عن الثقافة الناطقة بالإسبانية، أوعن مهاراتهم المتزايدة في فهم ومناقشة بعض القراءات المُعقدة، أو عن قدرتهم على الوصف والسرد بشكل أكثر تفصيلًا أثناء المحادثات؛ ذلك لأن عرض الطلاب لما قد تعلُّموه من شأنه أن يساعدهم في إعادة صياغة أهدافهم إن تطلَّب الأمر، أو في اتخاذ خيارات أفضل حول الموارد والأساليب المناسبة أثناء العمل على تحقيقها.

لذا فإنه عادةً ما كنت أعثر في المقالات التأملية الثانية لهم على أدلة أكثر موضوعية تثبت تقدُّمهم، وهو ما يؤكد لي أن الطلاب صاروا يفهمون العلاقة بين الأهداف والممارسة والتعلُّم على نحو أفضل.

عندما أفكر في أهداف الدورات النظامية المتطورة وعن أنواع التقييم الأكثر فاعلية ـ يزداد اقتناعي يومًا بعد يوم أن تمارين التقييم الذاتي كتمرين تحديد الأهداف الشخصية تُعد من الوسائل المهمة التي تسهم في توفير تعليم أفضل للطلاب، كما أدركت أيضًا أن رفع مستويات الوعي لدى طلابي حول كيفية التعلُّم وكيفية إظهاره لا يتطلب بالضرورة خضوعهم لتقييمات تستغرق وقتًا طويلًا، وتكون ذات صلة ضعيفة بأهداف الدورة التدريبية، كما لا يتطلب أيضًا إعادة تصميم جذري لمحتوى الدورة.

مما سبق، يمكننا استنتاج كيف يمكن لعمليات التقييم الذاتي أن تُساعد الطلاب على كيفية التعلُّم بصورة أكثر فاعلية، وكيف أنها قد تنقلهم إلى أداء أقوى في الدورات القادمة، وإلى مستويات أعلى من الكفاءة أثناء التعلُّم.

 

ديفيد طومسون: أستاذ مساعد في اللغة الإسبانية ورئيس قسم اللغات الحديثة والآداب، واللغويات في كلية لوثر (ديكورا، أيوا).. وقد نشر مقالات عن الشعر الإسباني المعاصر لبعض الكاتبات، ويَدرسُ حاليًّا منهج ما وراء المعرفة لتعليم اللغة.

 

المراجع:

Nilson, L., & Zimmerman, B.J. (2013). Creating Self-Regulated Learners: Strategies to Strengthen Students’ Self-Awareness and Learning Skills. Sterling, VA: Stylus Publishing.

 

مترجم عن:

Personal Goals: An Exercise in Student Self-Assessment

 

اقرأ أيضًا:

بعض الطرق الفعَّالة لإجراء مناقشة مُنظمة

العلوم التربوية: ثلاثة مجالات متناثرة

هل يمكننا تعليم طلابنا كيفية الانتباه أثناء الدرس؟