على الرغم من إننا على دراية بالتعليم والتعلم فإن معرفتنا مُشتتة في ثلاثة مجالات متناثرة.

man-1020389_640

البحوث التربوية

يركز مجال المعرفة الأول على البحوث التربوية التي تقدم لنا ما نعرفه عن التعليم والتعلم منذ ما يفوق 100 عام، فلا تكاد توجد قضية تربوية إلا وتناولتها الدراسات الخاصة بالتعليم أو المجالات الفرعية المرتبطة به مثل علم النفس التربوي وتعليم الكبار والتعليم العالي، ويمكننا الاستناد إلى هذه البحوث التجريبية الهائلة للاطلاع على العديد من الممارسات التربوية بالشواهد والأدلة.

لكن تظل البحوث التربوية بعيدة عن اهتمام المعلمين، فلا يرغبون في استقصائها والتعرف إليها بسبب عدم توافر معايير قوية جديرة بتطويرهم وإفادتهم بشتى المعارف التربوية؛ لكن السبب الأكبر يرجع إلى أن المقالات الواردة في الدوريات أو المجلات التي تتناول هذه الدراسات وما توصلت إليه من نتائج لم تكن مكتوبة لممارسين لكنها مكتوبة للعلم بما توصلت إليه الأبحاث والإفادة بدورة البحث التالية، الأمر الذي يجعل هذه المقالات صعبة على المعلم الذي يمارس المهنة؛ فالباحث لا يركز دائمًا على الجانب العملي في أبحاثه ومن هنا يُستهان بالأبحاث التربوية التي يقدمها بعض أعضاء هيئة التدريس بالكليات. وقد طُرح عليَّ سؤال مؤخرًا: “لماذا نتضايق من الذين يضعون النظريات والفرضيات ويقومون بـ”دراسة” ما نطبقة في الفصل الدراسي كل يوم؟” لأنه لا يتوافر لنا ما يمكن أنت نتعلمه من هذه الأبحاث والدراسات، يا لها من سذاجة! إنني أعترف أن ليست كل الأبحاث التربوية تعد دراسة نافعة، لكن هل كل ما يرد في أي مبحث من المباحث العلمية يُعد سليمًا لا تشوبه شائبة؟

علم التربية القائم على المباحث العلمية

ثم يأتي مجال المعرفة التربوية الثاني وهو الذي تقدمه المباحث العلمية، ويتسم الشق الأكبر من هذا المجال بكونه تجريبيًّا قائمًا على دراسات الممارسين مما يجعلها دراسات تطبيقية بها نتائج مؤكدة، وعلى الرغم من اطلاع بعض أعضاء هيئة التدريس على هذا النوع من الدراسة فإنه لم يسهم فيها إلا قليلون، وتقوم الدراسات في المباحث العلمية على أسس وقواعد منها تكتسب أهميتها، وعلى الرغم من أن هذه الدراسات لم تحظ بالأهمية المرجّوة، فإنها تُقدر اليوم وتحظى باهتمام أكبر من ذي قبل.

ومع ذلك يكتنف مجال المباحث العلمية التي تركزعلى التعليم والتعلم بعض المشكلات، فهي تعزز من الاعتقاد بأن مبدأ التعليم القائم على التلقين في إحدى المواد الدراسية سيكون هو الأمثل، وإذا لم تتعرف إلى المادة وتفاصيلها بالقدر الكافي فلن تتمكن من معرفة كيفية تدريسها. فمن المؤكد أن المحتوى يوحي بالطريقة التي يُدرَّس بها – من خلال التعرف إلى كيفية طرح المعلومات وطريقة تنظيمها وما الذي يصلح منها لأن يُتخذ دليلًا أو شاهدًا على سبيل المثال، فتدريس حل مسائل الرياضيات يختلف عن تدريس الفكرة الرئيسية التي تقوم عليها رواية، فثمة جوانب متعددة من التعليم والتعلم تتجاوز حدود تخصصات المباحث – فلن تستوعب ما يرد في هذه المدونة إذا لم تعتقد في ذلك. ومع ذلك ليس كل من يقرأ هذه المدونة أو شتى المباحث العلمية يعمل بالتعليم والتعلم أو يقدم دراسات تربوية من مختلف المجالات، فمن الممكن أن تعيش في عالم تربوي وتغفل أن هذا العالم جزء من كون كبير.

إن التركيز على المباحث العلمية يمنعنا أيضًا من إدراك أهمية الشواهد والأدلة التي تتراكم في مواد دراسية بعينها – ولنأخذ مجموعة العمل على سبيل المثال، فلا يخلو مبحث علمي من الاستعانة بمجموعات العمل، في حين لا تتوافرالأدلة والشواهد التجريبية التي منها يتعلم الطلاب ويعلمون بعضهم البعض في مجموعات عند اتباع مبدأ التلقين في التعليم، فالتعلم لا يتم بشكل آلي، لكن إذا تشكلت مجموعات العمل بعناية وتم تقويمها فسوف تتوافر شواهد وأدلة هائلة من شأنها تطوير المحتوى وتحسين مهارات التفاعل الجماعي.

board-1103721_640

المعرفة بالتجربة والخبرة

وأخيرًا تأتي المعرفة بالتجربة والخبرة الذاتية وهي التي تحظى بثقة أعضاء هيئة التدريس وهم يعرفونها حق المعرفة، ولمن لم يتدرب على التدريس منا أقول إنها خلاصة خبراتنا عبر السنين من خلال العمل في مدرسة مررنا فيها بتجارب صعبة استعنا بخبراتنا فقط في مواجهتها وكنا نحن من يقوم بتقويم التجربة واستخلاص الدروس المستفادة منها. إنها الخبرة التي تدعمنا ومنها نستفيد وإذا أظهرت الشواهد والأدلة غير ذلك فسيطعن أغلبنا في الأدلة قبل التشكك في الخبرة. فالمعرفة بالتجربة والخبرة صالحة معظم الوقت، لكنها تمثل إشكالية عندما تصبح المعرفة المستمدة من الخبرة الذاتية المصدر الرئيسي لتفهم عملية التدريس، فالتدريس يحتاج اكتساب معلومات والتعرف على أفكار جديدة من الخارج باستمرار لترسيخ ما نعتقده وتزويد علمنا وتعزيز ما نمارسه.

مترجم عن:

Pedagogical Knowledge: Three Worlds Apart

www.facultyfocus.com

اقرأ أيضًا:

هل يمكننا تعليم طلابنا كيفية الانتباه أثناء الدرس؟

ماذا يعنى التدريس بدون تعلم؟

كيف يمكن للمُعلم حل مشكلة مقاومة الطلاب للتعلّم؟