تصوير: أو. لويس مازاتينتا

تصوير: أو. لويس مازاتينتا

تعدُّ مدينة “تانيس″ المصرية من المدن الأثرية غير المعروفة نسبيًّا، مقارنة بمئات المواقع الأثرية الشهيرة الأخرى التي تتميز بها البلاد، على الرغم من امتلاكها واحدًا من أعظم الكنوز الأثرية الدفينة التي عثر عليها في أي وقت مضى.. وكانت “تانيس″ قديمًا عاصمة للدولة المصرية؛ لذا فهي مليئة بمقابر ملكية تذخر بكنوز تكافئ في عظمتها وأهميتها كنوز مقبرة توت عنخ آمون.

كثيرٌ ممن يعرفون مدينة “تانيس″ يتخيلونها كما صُورت في فيلم “إنديانا جونز: قراصنة السفينة المفقودة”؛ إذ ظهرت في الفيلم كمدينة دُفنت قديمًا على إثر عاصفة رملية عظمية، إلى أن أعاد اكتشافها النازيون أثناء بحثهم عن تابوت العهد.

أما التاريخ الحقيقي فيسطِّر واقعًا آخرَ؛ فتابوت العهد لم يكن يومًا موجودًا في “تانيس″، وتلك العاصفة الرملية لم تحدث قطُّ، كما لم يتعارك النازيون بالطبع مع إنديانا جونز في ذلك الموقع الأثري.. لكن، لا تزال قصة “تانيس″ الحقيقية صالحة لأن تكون فيلمًا سينمائيًّا مُبهرًا.
وقد عُثر على العديد من الكنوز المفقودة في تلك المدينة، والتي تنافس في أهميتها كنوز مقبرة الملك توت عنخ آمون.. ومع ذلك، فقد ظلت أغلب ثروات وكنوز تلك المدينة مجهولة ـ إلى حد كبيرـ لأكثر من 6عقود.

640px-Ruins_of_Tanis

مدينة تختفي!
عُرفت مدينة “تانيس″ على مر العصور بأسماء متعددة؛ فلدى المصريين القدماء كانت تُعرف بـ”جعنت”، وفي التوراة كان تسمَّى “صوعن”، أما اليوم فهي قرية “صان الحجر” بمحافظة الشرقية.
تقع “تانيس في دلتا النيل، شمال شرق القاهرة، وكانت قديمًا عاصمة البلاد خلال عهد الأسرتين الحادية والعشرين والثانية والعشرين في الفترة الانتقالية الثالثة.. وقد كان لموقعها المتميز دور مؤثر في جعلها مركزًا تجاريًّا مهمًّا قبل فترة طويلة من ظهور الإسكندرية، لكن نظرًا للتحولات السياسية التي جرت في البلاد، فضلًا عن تغيير مسار النيل أصبح موقعها الآن عبارة عن سَهْلٍ وَاسِعٍ من الطمي، مع بعض التلال الترابية البسيطة التي لا يُعتقد في كونها ذات أهمية كبيرة.

ذكرت “سليمة إكرام” أستاذة علم المصريات بالجامعة الأمريكية ـ القاهرة، والتابعة للجمعية الوطنية الجغرافية، عن عملية البحث عن المدينة قائلة: “حاول العلماء كثيرًا تحديد مكان تلك المدينة”؛إذ كان معروفًا أن هناك مدينة مفقودة في تلك المنطقة، ولكن أين تحديدًا؛ هنا كان اللغز!”.
كانت الفترات الانتقالية التي مرت بها مصر عبارة عن فترات من ضعف الحُكم المركزي للبلاد، وهو ما أدى ـ بدوره ـ إلى تقسيم السلطة.. وقد وصل ـ في بعض الأحيان ـ إلى تسليم الحُكم لغير المصريين، وهو ما حدث هنا؛ إذ كان حُكام “تانيس″ من أصول ليبية، ولا ينحدرون من عائلات مصرية تقليدية؛ لذا فلربما كان هذا الاختلاف سببًا في اختفاء المدينة فيما بعد.

قال “ديفيد سيلفرمان” عالم المصريات بجامعة بنسلفانيا في كلامه عن المدينة: “لم تكن المدينة مشهورة كوادي الملوك الذي كان معروفًا بأنه مُخصصٌ لدفن ملوك الفراعنة لعشرة أجيال أو أكثر”.

tanis02

العثور على المدينة المفقودة
عام 1939م، قام عالم الآثار الفرنسي “بيير مونتيه” بكشف النقاب عن “تانيس″ المفقودة بعد عمليات من البحث والتنقيب دامت لأكثر من اثني عشر عامًا، كما عُثر فيها على مُجمع من المقابر الملكية يتكون من 3 غرف سليمة للدفن، وهو ما يُعد اكتشافًا نادرًا ومذهلًا.. وقد حوت تلك المقابر مُقتنيات جنائزية ثمينة ومُبهرة؛ كالأقنعة الذهبية، وتوابيت مصنوعة من الفضة، وأخرى حجرية متقنة الصنع، كما امتلأت أيضًا ببعض العناصر النفيسة الأخرى؛ كالأساور، والقلائد والمعلَّقات، وأدوات المائدة، والتمائم.. بالإضافة إلى ذلك، كانت تلك المقابر تعجُّ بآثار متنوعة من تماثيل ومزهريات وجِرار وغيرها مما لا يزال يشهد حتى الآن على قوة وثراء حُكام تلك المدينة في تلك الفترة.. وكان أيضًا لاكتشافات “مونتيه” تبِعات مهمة أخرى؛ فقد تم العثورعلى أحد ملوك “تانيس″ وهو الملك “شوشنق الثاني” الذي لم يكن معروفًا من قبل، وهو مُرتدٍ جواهر ثمينة كانت مِلكًا للملك الشهير”شوشنق الأول” الذي ورد اسمه في الكتاب المقدس، وهو ما دفع “سيلفرمان” للقول: “وهذا يثبت لكم كم كان ملوك تانيس على قدرٍ عالٍ من الأهمية في ذاك العصر”.

131108125401Edited_515_p188rlf74k1totumogpl32poue4
لم تُكتشف المدينة كاملةً إلا بعد خلو الموقع من سكانه؛ لذا فقد أصبحت فيما بعد موطنًا لكثيرٍ من الكنوز الأثرية والمقابر.. أما عن المعابد فقد عُثر فيها على كلٍّ من معبد حورس ومعبد آمون.. حتى الآن، لا تزال المناطق الحضرية للمدينة القديمة والآثار المتبقية منها مستمرة في استقبال البعثات الأثرية بحثًا عن المزيد من الاكتشافات.

لكن، السؤال الأهم هنا هو: كيف نجح “مونتيه” في اكتشافه لكل ذلك، في حين فشل الآخرون؟!
يجيب “سيلفرمان” على ذلك قائلًا: “كان الأمر يتطلب شخصًا مُثابرًا جدًّا لقهر الصعاب.. وقد بذل “بيير مونتيه” قصارى جهده من أجل اكتشاف ذاك المكان المُشار إليه في الكتاب المقدس، والذي كان معروفًا في التاريخ المعاصر قبل أن يصيبه النسيان”.. لكن، على الرغم من اكتشافات “مونتيه” المذهلة فإنها حدثت في توقيت سيئ للغاية؛ إذ غطى اندلاع الحرب العالمية الثانية على اكتشافه لـ”تانيس″ الذي حدث في الوقت نفسه تقريبًا.

حتى اليوم، لا يعرف قصة اكتشافات “مونتيه” الأثرية سوى القليل.. ورغم وجود تلك المُقتنيات داخل المُتحف المصري بالقاهرة فإنها لا تجذب الأنظار كمثيلاتها من الآثار الأكثر شهرةً، وتُشير “إكرام” إلى ذلك قائلة: “لولا اندلاع الحرب العالمية الثانية لاشتهرت مقابر “تانيس″ الملكية مثلما هو الحال مع مقبرة توت عنخ آمون ـ إن لم يكن أكثر”.

بقلم: براين هاندويرك

هذا المحتوى مقدم رسميًا من

ناشونال جيوجرافيك

اقرأ أيضًا:

لماذا تُغرق مياه أمطار الإسكندرية الشوارع؟

أهرامات الجيزة وأسرارها التي لا تنتهي؟!

ماتشو بيتشو.. أسطورة قلعة قديمة تحوي ملايين الأسرار!