يقترح بيل ناى “رجل العلوم” الوصول بأول بعثة مأهولة إلى مدار المريخ بدلًا من الهبوط على سطحه.

المريخ

(صورة خاصة بوكالة ناسا للفضاء)

وصول الجوال كوريوزيتى روفر التابع لوكالة ناسا موقع “موجافى” على سطح المريخ؛ حيث يقوم بتجميع العينة الثانية من أعلى قمة جبل شارب

 

تعدُّ الرحلات الفضائية المأهولة إلى المريخ من أعظم المغامرات وأكثرها تشويقًا، بل ستكون هى الأعظم فى تاريخنا على الإطلاق، فلا شىء سيكون أكثر إثارة، بل أكثر صعوبة من ذلك؛ فالمريخ يبعد كثيرًا جدًّا عن الأرض، أبعد بكثير من القمر، وقد تستغرق رحلة إلى المريخ ذَهابًا وإيابًا سنوات عديدة، وهو ما يتطلب توفير الماء والغذاء والأكسجين إلى رواد الفضاء، فضلًا عن محاولة التقليل من خطر تعرُّضهم للإشعاع والمشكلات الصحية، والإصابة بالملل.

لكن بالطبع، ليس كل ما هو صعب يكون مستحيلًا؛ فرغم أننا نجمعُ بين امتلاك أغلب الخبرات التقنيَّة والقُدرة – فقط إذا أردنا – على مُتابعة مُغامرةٍ كتلك فإنَّ التحدى الأساسى الذى يقفُ حائلًا أمام اكتشاف الإنسان للكوكب الأحمر يرجِع إلى سببٍ أكثر من عادى، ألا وهو التكلفة؛ إذ إن تكلفة العديد من الخطط التى تهدف إلى إرسال الإنسان إلى المريخ تبلغ مئات الملايين من الدولارات، وهو أكبر بكثير مما يُمكن أن تتحمله وكالة ناسا للفضاء، والتى تحصل حاليًّا على 0.4% فقط من الموازنة الاتحادية (الفيدرالية).

ولقد عقدت مُنظمتنا مع جمعية الدراسات الكوكبية بالعاصمة الأمريكية واشنطن ورشة عمل رفيعة المستوى، التقينا خلالها خُبراءَ من وكالةِ ناسا، والقطاع الخاص، والمُجتمع العلمى لبحث تلك المُشكلة، وإذا ما كان هناك فُرصة لإيجاد برنامج مُستدام وواقعى وذى تكلفة ميسورة، يُمكن به للإنسان أن يهبط على سطح المريخ، ثم يعود للأرض! نعم، نعتقد فى وجود ذلك البرنامج، وهو ما أطلقنا عليه “دخول المدار”.

برنامج “دخول المدار” برنامج واضح ومُباشر؛ فلماذا لا نُحاول إرسال أول بعثة مأهولة للدخول فى مدار المريخ، بدلًا من التركيز على هبوط تلك البعثة على سطح الكوكب نفسه؟! فثمة الكثير الذى يُمكن فعله دون الحاجة إلى وجود الإنسان على سطح المريخ؛ كالهبوط على واحد من أقمار المريخ، وقيادة الجوال روفر، واختبار كل الأجهزة والأنظمة الجديدة المطلوبة قبل القيام بأية محاولات للهبوط.. كما يعمل هذا البرنامج، وبشكل حاسم، على تقليل التكلفة المبدئية لتطوير الأجهزة الجديدة، وهى ما يجب أن تكون صغيرة لتُناسب حجم صاروخ ناسا المزود بنظام إطلاق فضائى جديد، ولتلك الكبسولة الفضائية المأهولة التى سيتم إطلاقها فى السنوات القليلة القادمة.

 

تصوير: جون دافيسون

تصوير: جون دافيسون

يقول بيل ناى إن وصول البشر بالقرب من المريخ أرخص بكثير من الهبوط بهم على سطحه

 

فى قمة “البشر إلى المريخ” التي عُقِدت بالعاصمة واشنطن، تم عرض الفكرة المحورية التى نتجت عن ورشة العمل الخاصة بنا، والتى قام بتطويرها فريق صغير من “مُختبر الدفع النفاث التابع لوكالة ناسا”، والتى تدور حول الذهاب فى زيارة للقمر المريخى “فوبوس″ من قِبل 4 رواد فضاء، ينطلقون لوجهتهم عام 2033.. ولقد حُدِّد هذا التاريخُ وَفقًا للآليات المدارية وللوقت الذى يتطلبه تطوير تلك الأجهزة الجديدة دون الإخلالِ بالميزانية.

كل 26 شهرًا، يتحاذَ مدارا الأرض والمريخ معًا؛ الأمر الذى يُقلل من احتياجات الوقود اللازم للانتقال بينهما؛ لذا يجب على أية مَركبةٍ فضائيةٍ تنتقل من على أى كوكبٍ منهما للآخر ــ أن تُطيعَ هذا الجدول الزمنى.. ويستغرق السفر فى كل اتجاهٍ منهما حوالى 7 أشهر؛ لذا فانتظار المُحاذاة الخاصة بين الكوكبين قد يستغرق أكثر من عام، يبقى خلالها رُواد الفضاءِ داخل المدار أو على سطح “فوبوس“.. وبحلول عام 2039، ستبدأ البعثات المُتابِعة بالهبوط على كوكب المريخ، مُستفيدةً بذلك ــ إلى حدٍّ كبير ــ من الخِبرة التى اكتسبتها بعثة “دخول المدار”.

بالتأكيد، هناك العديد من التفاصيل التى يجب العمل عليها، إلا أن الفريق استطاع التوصُّل إلى تكلفة مناسبة للبرنامج؛ فقد كان لديهم شركة مُستقلة تقومُ باختبار البرنامج، والتى خلُصت إلى إمكانية تحقيقه – ما دام قد واكب مُعدلات التضخُم – بتكلفةٍ تَقرُب إلى تلك الخاصة ببرنامج الاستكشاف البشرى الحالى التابع لوكالة ناسا.. وبافتراض أن دور وكالة ناسا القيادى سينتهى فى محطة الفضاء الدولية كما هو مُخطط له بحلول عام 2024ــ فإن ذلك سيقوم بتوفير 4.5 مليار دولار سنويًّا لاستخدامها فى بعثات المريخ، وهو مبلغٌ أقل من ذلك الذى يُفقد سنويًّا فى الخِدْمات البريدية حاليًّا.

حتى الآن، تُعدُّ خطة بعثة “دخول المدار” أكثر الخطط شهرةً، تتمتع بكونها ذات تكلفة مناسبة، ويمكن من خلالها الوصول للمريخ.. وقد تتغير فيما بعد العديد من التفاصيل كنتيجة حتمية لتطوُّر تلك الخُطة التى بناءً على آراءِ الخُبراء فى ورشة العمل الخاصة بنا ــ هى الأكثر استحسانًا من حيث التنفيذ والتكلفة.

بالقطع هناك العديد من الفرص التى ستسنح أمام العلم بمُجرد الهبوط على سطح القمر “فوبوس” وقيادة الجوال روفر لاستكشاف سطحه، وهو ما سيجذب اهتمام الجمهور.. فقط، تخيل تلك المُغامرة التى سيقوم بها أربعة رواد فضاء وهم يشاهدون شروق الشمس من فوق سطح “فوبوس“، أو كم الإثارة التى سيشعرون بها وهم ينظرون إلى كوكب المريخ من أعلى؛ إنها مغامرة سيمتلكون فيها العالم كله.. وسيتحدون بها أنفسهم فى رحلة استكشاف هى الأكثرُ جرأة فى تاريخ البشرية.

وإذا كان الوصول إلى المريخ هو الهدف من وراء رحلات الفضاء المأهولة، وهو ما يجب أن يكون، فعلينا إذن وضع خُطة فعَّالة ذات تكلفة مناسبة، وهو ما توفره خطة بعثة “دخول المدار” التى سوف تُقلل من خطر المُجازفة باستخدام التكنولوجيا الحديثة، كما ستزيد من فرص الاستثمار فى تطوير الأجهزة الموجودة سابقًا، فضلًا عن إبهار البشرية جمعاءَ بأروع مغامرة فضائية منذ رحلات أبوللو.

 

بقلم بيل ناى وكاسى دراير، لناشيونال جيوغرافيك

بيل ناى هو المدير التنفيذى.. وكاسى دراير هو مدير أنشطة التوعية والدعوة فى جمعية الدراسات الكوكبية

هذا المحتوى مقدم رسميًا من:

ناشونال جيوجرافيك

اقرأ أيضًا:

5 أيام حول العالم داخل طائرة لا تعمل بالوقود!!

هل شاهدت “الثقب الأسود” من قبل؟  أغرب 8 صور للفضاء من ناسا

حل لغز الكوكب الأحمر.. اكتشاف مياه على سطح المريخ!!