تشغف عقولنا بإيجاد صور لها معنى للخطوط والأشكال العشوائية حتى وإن كانت على القمر.

القمر

PHOTOGRAPH BY VALERY HACHE, AFP/GETTY

قد ترى إنسانًا أو أرنبًا أو يديْن على القمر عند اكتماله حسب موقع مشاهدته له من الأرض

القمر هو أقرب رفيق للإنسان من الأجرام السماوية منذ بدء الخليقة، لذا فهو مادة غنية للخيال وغالبًا ما كان ملهمًا له في أفكاره وأشعاره.

عندما تمر الأرض بين القمر والشمس يوم 15 إبريل صباحًا يحدث الخسوف الكامل ويعم الظلام الجبال والفوهات القمرية لتتشكل الوجوه والأشكال التي يرها الإنسان منذ آلاف السنين.

ربما تكون أكثر الرؤى شيوعًا – فى الثقافات الغربية ـ أن ثمة “رجلاً على القمر”.. وفى ثقافات بلدان شرق آسيا، يرى المحدقون إلى القمر أرنبًا، وفى الهند يرون يديْنِ. منذ العصور القديمة حتى العصر الحديث، يُرى على القمر أشياء عديدة من مختلف المواقع فى شتى بقاع الأرض؛ تختلف بين شجرة وامرأة وضفدع توجد جميعها على وجه القمر المشرق.

أشكال ووجوه على القمر

PHOTOS: PAULO CASQUINHA (NORTHERN HEMISPHERE); JOHN SANFORD, SCIENCE SOURCE/PHOTO RESEARCHERS, INC. ART: HANNAH TAK, NG STAFF (Edited)

أ‌. أرنب على القمر(شرق آسيا)

ب‌. رجل على القمر (أوربا)

ج. كفين على القمر (الهند)

د. رجل على القمر (الولايات المتحدة)

ه. شجرة على القمر (هاواى)

ز. امرأة على القمر (نيوزيلاند)

 قالت كاسندرا رونيون العالِمة الجيولوجية المتخصصة فى الكواكب بكلية شارلستون فى كارولاينا الشمالية: “إنك غالبًا ما ترى عندما تتطلع إلى القمر لأول مرة مناطق مضيئة وأخرى مظلمة، وبعضها يميل للون الرمادى الغامق.. والمناطق ذات اللون الفاتح هي الجبال، وذات اللون الغامق صخور بركانية”.

ومن الممكن أن يجد الناس فى محيط شكل سطح القمر وألوانه أشكالاً لها معنى، كما يُخيل لنا أننا نرى أشياءً غير حقيقية، حيث يكون ذلك نتيجة لتصورات عقولنا فقط.

 قالت “نوشين هادجى خان” أستاذ العلوم العصبية بجامعة هارفارد: “العقل عضو يتسم بالتنبؤ، ونحاول أن نجد معنى لما يجرى طوال الوقت ونملأ الفراغات بالمعلومات”.

وتعد ظاهرة رؤية وجوهٍ لا توجد فى الواقع نوعًا من ملء الفراغات التى تسمى “الباريدوليا”، وهى شائعة بين بنى البشر.

البحث عن معنى

يدرس “يوئيل فوس″ المتخصص فى علم الأعصاب المعرفى بجامعة نورث ويسترن فى ولاية شيكاغو – كيف تساعدنا أمخاخنا فى إضفاء معانٍ على تشكيلات متنوعة من الخطوط والأشكال.. وقد عرض خلال دراساته على مجموعة من المشاركين فى البحث خطوطًا غير منتظمة صُممت بواسطة الكمبيوتر ـ أشكال ليس لها معنى مشتقة من مثلثات أو دوائر- وسألهم ما إذا كانت هذه الأشكال تشبه أشياء لها معنى أم لا.

قال فوس: “إن ما يقرب من نصف عدد المشاركين قد انتهوا إلى أن لها معنى فى المتوسط”.

استخدم “فوس″ تقنية التصوير العصبى التى تقيس نشاط المخ عبر تتبُّع التغيرات التى تطرأ فى تدفق الدم؛ ذلك لاكتشاف المناطق التى تنشط بالمخ عندما يرى الشخص الخطوط والأشكال.. وقد وجد أن المناطق نفسها التى خضعت للتجربة حقيقية، وأنها أضاءت عندما رأت أن الصور لها معنى عند رؤية الخطوط غير المنتظمة.

قال فوس: “إن الجهاز البصرى لدى الإنسان لا يميز بين صورة لضفدع وأخرى مرسوم عليها مجموعة من النقط والخطوط التى لم يسبق له رؤيتها وهى تشبه ضفدعًا على نحو مبهم.. ويسعد المخ سعادة بالغة عندما يتناول هذه النقط والخطوط على أنها ضفدع″.

452196-moon-flickr

رسائل المخ ورواية القصص

لماذا يعمل المخ هكذا؟ قدمت عالمة الفلك “كارل ساجان” تفسيرًا محتملاً فى كتابها: “The Demon-Haunted World: Science as a Candle in the Dark” –  تفيد فيه بأنه ربما يكون التعرُّف على وجوه أو أشكال مبهمة أمرًا مُجديًا على نحو متطور.. وقالت: “إن هؤلاء الأطفال الذين لم يستطيعوا التعرُّف على وجه لم يبادلهم الابتسامة لم يكن يُحتمل أن يحظوا بقلوب آبائهم، ومن غير المُرجح أن ينجحوا”.

 وقدم “فوس″ تفسيرًا آخر يدعونا فيه إلى أن نأخذ بعين الاعتبار أن مخ الإنسان يتسم بالمرونة، وأنه آلة متعددة الأغراض؛ أى أنها تعمل وتنجز مهما كانت عشوائية البيئة التى تقيم فيها.. قال “فوس″ إنه لا بد من أن يتمكن المخ من الاستجابة السريعة للمحفزات البصرية ـ كالأشكال والخطوط الجديدة ـ ويتمكن كذلك من فهم ما يثير الانتباه؛ حتى ينجح فى أى بيئة غريبة. إن رؤية الوجوه والأشكال ما هى إلا نتيجة رغبة المخ فى مطابقة معلومات مخزونة بمحفزات جديدة، وأضاف قائلاً: “رغم أننا نرى العالم على أنه بيئة مرتبة تحتوى على أشياء – فإنه فى الواقع ليس إلا حُزمة من الخطوط والأشكال والألوان العشوائية.. ويرجع السبب وراء رؤيتنا أشياء لها معنى فى أشكال لا معنى لها ـ بكل سهولة – إلى أن الأشكال التى ليس لها معنى بها نفس خصائص الأشياء التى لها معنى”.

وإذا ما تناولنا الأمر بشكل علمى فسنجد أن ما يراه المحدِّق إلى القمر يرجع لتوصيلات المخ وما بها من رسائل، وأن ما بصرت به الحضارات عبر العصور فى وجه القمر قد حظىَ بأهمية كبرى عند حفظ الثقافات والمعتقدات.

 قالت “آدرين مايور”، وهى مؤرِّخة فى العلوم – جامعة ستنافورد بولاية كاليفورنيا، التى تبحث إلى أى مدى تفسر الثقافات القديمة المُعطيات وتستقى معانى من عالم الطبيعة: “تعد السماء، ليلاً، واحدةً من أعظم البانورامات التى تروى لنا القصص”.. واستطردت: “تعد الأشياء فى عالم الطبيعة أفكار القصة وإشاراتها؛ فعندما ترى القمر تتذكر القصة التى سمعتها عنه وأنت طفل، ومن ثمَّ تعيد روايتها”.

أما أنا هنا فلا أرى وجوهًا على القمر، بل أرى كلمة “مكة” وزملائي هنا يروون “محمد”..

ماذا ترى أنت على وجه القمر؟

هذا المحتوى مقدم رسميًا من

ناشونال جيوجرافيك

اقرأ أيضًا:

كل ما تحتاج إلى معرفته عن الانقلاب الشتوي

تعرَّف بالصور “كهف شاندونغ” الأكبر والأكثر روعة في العالم

شيطان البحر الأسود لأول مرة في صورة!