يمكننا اعتبار موجات الجاذبية أو الموجات التثاقلية كاضطرابات في نسيج الزمن- المكان أو الزمكان. ها نحن ذا قد بدأنا، ما هو الزمكان أصلًا؟!

بشكل مبسط، الزمكان (الزمان -مكان) هو مصطلح في الفيزياء Spacetime يعبر عن الفضاء رباعي الأبعاد الذي أدخلته النظرية النسبية ليكون بديلًا عن المكان المطلق الفارغ في الميكانيكا الكلاسيكية ونظرية الكم. وفي هذا الفضاء الرباعي الأبعاد تميز كل نقطة برباعية (س، ع، ص، ز) حيث ترمز س، ع، ص إلى الإحداثيات المكانية (المكان) ويرمز ز إلى الإحداثي الزمني (الزمن). أي أن هنا يتم المزج بين الزمان والمكان في إطار واحد بحيث لا يتم الفصل بينهما عند إجراء الحسابات الفيزيائية. وبهذه الفرضية التي طرحها آينشتاين للمرة الأولى في نظرية النسبية الخاصة، يتم تحديد مكان جسم ما في الفضاء الشاسع بطريقة أكثر تحديدًا بالاعتماد على عنصر الزمان بدلا من الاعتماد على الثلاثة محاور للمكان فقط.

موجات الجاذبية

نعود مرة أخرى إلى الموجات التثاقلية! كنا نقول إنها اضطرابات في نسيج الزمكان، أي أنها تؤثر على الإحداثيات الأربعة لأي جسم في الفضاء. وفي المثال، إذا ما لمست سطح ماء بإصبعك أو ألقيت حجرًا في بركة، ستلاحظ أن هناك تموجات قد نشأت من مركز التلامس وتتوسع إلى الخارج عبر سطح الماء. هذه التشوهات أو الاضطرابات هي المسبب الحقيقي للتجاذب التثاقلي. أحد الأمثلة المفيدة هنا لتخيل الأمر بشكل أفضل هو أن تحضر قطعة قماش كبيرة ومشدودة وتضع جسمًا ثقيلًا في منتصفها، وكنتيجة سيتسبب ثقل الجسم في غوصه في القماشة وانحناء نسيج القماشة نفسها حوله. والآن إذا وضعت جسمًا أصغر على مقربة من الجسم الأول الأكبر، سيسقط الجسم الأصغر ناحيته، وهي الطريقة نفسها التي يجذب بها أي نجم الكواكب والأجسام الفضائية القريبة.

بهذا المفهوم، أي جسم متسارع في الفضاء جدير بخلق تموجات أو حلقات موجية في هذا الفراغ، لكن التموجات الصغيرة والضعيفة ستتلاشى سريعًا وبشكل لن يمكننا رصده.

فقط الأجسام مهولة الحجم، مثل النجوم النيوترونية أو الثقوب السوداء، يمكنها تخليف موجات جاذبية كبيرة وقوية بما يكفي كي تنتشر وتتقدم لتصل إلى الأرض ويتم رصدها!

موجات الجاذبية

كيف دارت العجلة؟

منذ أكثر من مليار سنة مضت، وفي مجرة تبعد عنا أكثر من مليار سنة ضوئية، تقاطع مدارا ثقبين أسودين معًا، ثم تصادما. لا يمكننا في الواقع رؤية هذا التصادم المهول، لكن ألبرت أينشتاين منذ 100 عام مضت تنبأ بالطريقة التي سنرى بها مثل هذا الحدث الكوني الفريد. وبطريقة لم يتخيلها أحد!

ففي عام 1913، طرح آينشتاين فرضية الموجات التثاقلية لأول مرة في عرض تقديمي لزملائه من العلماء قبل عامين كاملين من انتهائه من نظريته العامة للنسبية. فور انتهائه من النظرية، قام بكتابة مقال مطول عن الموجات التثاقلية وتم نشره في عام 1916، أي أن الإعلان عن الموجات التثاقلية للمرة الأولى لم يكن بالأمس، 11 فبراير 2016، وإنما قبلها بمئة عام … بقرن كامل!

موجات الجاذبية

هذا ما قاله آينشتاين وقتها، وإن قالها غيره لاتهموه بالجنون! تصادم قوي لكيانين مرعبين مثل الثقوب السوداء سيطلق موجات تثاقلية ستعبر الفضاء وتسافر عبر الكون نفسه، وبضجيج يعلن به عن نفسه، فقط حينها لم يكن هناك “سماعة” حساسة بما يكفي لالتقاط هذا الضجيج أو “الرسالة”. فقط آينشتاين العبقري الخلاب هو من سمعها حينها! ولأنه آينشتاين، تعامل الجميع مع الأمر على أنه حقيقة، وتم صرف ملايين الدولارات على مدار عقود طويلة لتجهيز وبناء وتحسين أجهزة حساسة بما يكفي لرصد هذه الموجات. فقط لأن آينشتاين قال إنها موجودة!

صوت الموجات التثاقلية

لكن كما قلنا من قبل، فالثقوب السوداء أعلى ضجيجًا فيما يتعلق بالموجات التثاقلية، لذا ما قام مرصد LIGO برصده كان تصادم ثقبان أسودان تبلغ كتلتهما 36 و29 ضعف كتلة شمسنا الصفراء، وبكثافة أكبر بكثير. تصادم هذان الثقبان معًا منذ 1.3 مليار سنة مضت، وأرسلا سويًا موجات تثاقلية مذهلة بلغت من قوتها أن استطاع مرصد LIGO سماع صوتها ورصدها من هذه المساقة المرعبة.

هل يخفق قلبك في إثارة لسمع هذا الصوت الفريد لكيانات تقع على بعد ملايين السنوات الضوئية في الكون السحيق الذي لا نراه؟ لست وحدك!

موجات الجاذبية

ماذا بعد؟

لا يمكن لأحد تخيل ما سينتج عن مثل هذا الكشف الرائع للإنسانية. الأمر أشبه بما حدث عن اكتشاف أشعة X للمرة الأولى أو الأشعة دون الحمراء والميكرويف واستخدامها في علم الفلك ومراقبة الكون!

لآلاف السنين، ظل البشر يمارسون الفلك وفق أطوال الموجات المرئية، حيث استطاعوا رؤية النجوم ومراقبة الكواكب بينما تعبر السماء. ثم أتى الرصد بالأشعة تحت الحمراء وصرنا نرى الكون وقد امتلأ بتجمعات النجوم الساخنة والغبار النجمي التي تولد به النجوم، ثم رأينا الكون من خلال أشعة X وعثرنا على التكوينات النجمية الهامدة، ثم شعرنا بأثار الانفجار الكبير Big Bang الحرارية من خلال الرصد بأشعة الميكروويف. وها هو دور الموجات التثاقلية قد أتى كي تخلق ثورة جديدة في الطريقة التي نمارس بها الفلك ونرصد بها الكون ونرى أشياء جديدة ظلت خفية أو محجوبة عنًا طيلة الوقت!

سيستغرق الأمر بعض الوقت حتى يصبح علم الفلك القائم على الموجات التثاقلية منتشرًا يستخدمه الجميع، لكن ما أن يحدث هذا، فإن الأحداث الكونية الخفية والمحجوبة والتي رجّت وترج أجناب الفضاء السحيق رجًا إلى الآن ستنتقل من مملكة الحسابات الرياضية والاستنباطات إلى مملكة الملاحظة والرؤية المباشرة!

استعدوا لكيانات وأحداث عظيمة سيزدحم بها كوننا بعدما ظلت غامضة منسية لآلاف السنين!

المصدر: عالم الإبداع

اقرأ أيضًا:

تعرّف على كواكب المجموعة الشمسية.. مع فلاش تفاعلي لتوضيحها!

ناسا تطلب موظفين.. في المريخ!!

تعرف على زحل.. أكبر من الأرض بـ 755 مرة وله 60 قمرًا!