“الطفل الذي اقتصر تعليمه على المدرسة هو طفل لم يتعلم”، حكمة قالها الروائي الأمريكي جورج سانتايانا، وهي جملةٌ تعبر كثيرًا عن واقع المدارس الذي نعيشه هذه الأيام، فلطالما كان تعليم الطفل هو الشغل الشاغل لأبويه، فبمجرد أنا يتم الطفل عامه الرابع من الحياة، حتى يبدأ الآباء في البحث جاهدين عن أفضل الحضانات ليلحقوا بها أطفالهم حتى يكتسبوا المعرفة وتزداد مهارتهم في التواصل، ومن بعدها تأتي المرحلة الأهم وهي بأي مدرسةٍ سيلتحق الطفل.

ومن هنا يبدأ الأهالي بالبحث عن نوع المدرسة التي سيلتحق بها أبناؤهم طبقًا لمستواهم الاجتماعي والمعيشي، ويكون التحير بين المدارس الحكومية، والخاصة منها، والدولية؛ بغية تقديم أفضل تعليم يؤمن لأبنائهم مستقبلاً جيدًا، فضلاً عن إكسابهم المهارات الأساسية للتعامل مع واقع الحياة.

ولكن رغبة الآباء قلما تتحقق، والدليل هو ما نراه من أطفال متفوقين لدرجة كبيرة في موادهم العلمية وقد نقصتهم الهوايات والمواهب، فضلاً عن الكثير من العادات السيئة التي يأتي الأطفال محملين بها من مدارسهم، وفي أغلب الأحيان نرى المتفوقين، أو ما يُعرف عندنا بملتحقي كليات القمة، ولكن تنقصهم مهارات التعامل مع المجتمع من حولهم.

كل هذا جعل بعض الآباء في أوروبا وأمريكا يفكرون في العودة إلى التعليم المنزلي والاستغناء عن المدارس، نظرًا لأنها كانت الأساس قبل التفكير في إنشاء المدارس، وبحسب الإحصائيات فإن نسب المتعلمين بهذه الطريقة تزداد كل عامٍ عن سابقه.

 boys-286245_1280

وقد بدأت هذه الفكرة الظهور في عالمنا العربي منذ مدة ليست ببعيدة، ولكنها بدأت في الانتشار نسبيًا خلال الآونة الأخيرة، مما دفع شبكة “رصد الإخبارية، إلى بحث عن إجابة عدة أسئلة من خلال حوارها، مع “أروى الطويل”، أحد المؤسسين المشاركين في إنشاء “مجتمع ابن خلدون للتعليم المنزلي”.

أروى عادل الطويل تخرجت في كلية الآداب قسم الإعلام، وعملت في المجال الإعلامي حوالي 6 سنوات، وتكمل الآن دراستها في ماجستير التسويق للمنظمات المدنية، واليوم تكشف لنا من خلال الحوار، ماهية التعليم المنزلي، والمنهجية التي تتبعها هذا الاستراتيجية، كما توضح لنا فكرة “مجتمع ابن خلدون” وكيفية الاستفادة منه، ونعرض لكم ملخص الحوار فيما يلي:

ما هو التعليم المنزلي؟

خلال توضيحها للفكرة، قالت “أروى الطويل” إن التعليم المنزلي يهدف إلى نقل العملية التعليمية من المدرسة إلى المنزل، بحيث يقوم أكثر الناس حبًا وتفهمًا للطفل (الأبوين) بالتعليم -وليس التدريس- وهذا ما يسهل توجيه مهارات الطفل، وتنميته، واحتواءه بشكل مناسب.

كما أشارت “الطويل” إلى أن المحور الأساسي في عملية التعليم المنزلي هو الطفل، حيث يتم صياغة المنهج بما يتناسب مع الطفل ومهاراته، كما أنه يحمل في داخله فكرة استمرارية التعليم، نظرًا لأن الطفل يتعلم طيلة الوقت، دون الحاجة إلى إجازات؛ لأن العملية التعليمية عبارة عن مرح، لا تحتوي على أي نوع من الضغوط، وليس فيها امتحانات، وغيرها من الأشياء التي تتسبب في ضجر الطفل.

بداية التعليم المنزلي:

أما عن بداية التعليم المنزلي، فقد أوضحت “أروى الطويل” أن التعليم المنزلي كان في بادئه هو الأصل والفطرة، التي لجأ إليها القدماء في تعليم أبنائهم، وظل كذلك حتى ظهرت المدارس النظامية مع ظهور الدولة المركزية الحديثة؛ كإحدى وسائل السيطرة على المجتمع عن طريق التحكم في المدخلات التعليمية في المناهج وخلافه.

وأضافت أن حركة التعليم المنزلي عادت للظهور قبل 70 سنة؛ بسبب عدم رضاء الآباء الأمريكيين والأوروبيين عن مستوى التعليم النظامي هناك، ومن ثم بدأ ظهور بعض القوانين، التي تسمح بالتعليم المنزلي، كما ظهرت حينها مجموعة من المناهج المختلفة، التي تراعي الاحتياجات المختلفة للأطفال.

الحرية هي أساس التعليم المنزلي:

وبسؤالها عن المنهجية التربوية والأكاديمية التي يتبعها نظام التعليم المنزلي، أجابت “الطويل” بأن “المنهجية التربوية لهذا النظام هي الحرية، من خلال ترك الحرية لعقل وروح الطفل في تعلم ما يشاء وبالطريقة المناسبة للطفل”.

أما عن المنهجية الأكاديمية، فقد أشارت إلى تعدد المناهج التي يمكن اختيارها، ويترك هذا الأمر للآباء؛ بحيث يختارون ما يناسبهم من مناهج، فعلى سبيل المثال إذا قرر الآباء اللجوء للتعليم المنزلي، بناءً على خلفية دينية، فإنهم يختارون منهجًا مكثفًا دينيًا، وهكذا.

الآباء منظمون للعملية التعليمية، وليسوا معلمين:

كما رفضت “أروى الطويل” ما يعتقده الكثيرون من أن العملية التعليمية في التعليم المنزلي، سوف تقتصر على الأم والأب فقط، معللًا ذلك بأن التعليم المنزلي عبارة عن عملية متكاملة محورها الأنشطة والتجارب والأشخاص الذين يأتمنهم الآباء على أطفالهم، فمثلاً إذا كان الطفل يحب تفكيك الأشياء، فمنهجية التعليم المنزلي ستتطلب من الأب أن يلحق ابنه بورشة ميكانيكا، يأتمن صاحبها على طفله، حتى يشاهد ويتعلم بنفسه كيفية فك وتركيب الأشياء.

كما لفتت إلى وجود العديد من مراكز الأنشطة التي يمكن الاشتراك للطفل فيها وفقًا لميوله؛ لأن الطفل علميًا لديه ميل فطري واسع للتعلم، فيوجد جمعيات للفلك والحيوانات والعلوم النظرية وحتى الشعر والأدب، مؤكدةً أن الأم والأب دورهم هو “فتح أبواب التعلم للطفل وتوجيهه إن احتاج للمساعدة، وليس القيام بدور معلم الفصل، فهذا أبعد ما يكون عن التعليم المنزلي”.

ضريبة التعليم المنزلي:

خلال ردها على ما يراه البعض من أن الآباء ربما يعجزون عن إدارة أو تنظيم هذه العملية، ربما لانشغالهم، أو لكونهم غير مؤهلين لهذا الدور، أجابت “أروى الطويل” بأن لكل شيء ثمنا، وثمن التعليم المنزلي هو تفرغ الأم أو الأب (القائم بالعملية التعليمية)؛ لتعليم أولاده أو على الأقل العمل بدوامٍ جزئي ليستطيع التواجد بجانب الطفل.

أما عن عجز الآباء عن إدارة العملية التعليمية، فترى الطويل أن مجرد تفكير الأب والأم في التعليم المنزلي يعني أنهم يهتمون بما فيه الكفاية ليكونوا مؤهلين للقيام بالعملية؛ أو بمعنى آخر “الأم والأب يكبرون مع التعليم المنزلي، يعلمون أنفسهم كما يعلمون أولادهم”، مشيرةً إلى أن مرحلة البداية (ما يعادل الكي جي) سهل للأب والأم القيام بها، ومن ثم يجب اختيار طريقة من بين الطرق المتعددة للتعليم المنزلي، وبناءً عليها يتم اختيار منهج متكامل، أو تجميع منهج خاص للطفل.

وأضافت أنه يمكن للأب والأم إذا توقف شيء أمامهما، أن يستعينا بالمكتبات والإنترنت والتعليم الذاتي، وحتى بمعلم خاص إذا توقف الأمر تمامًا، ولكن بالطبع لا يقوم المعلم بدور المدرس الخصوصي، بل يعلمه بالمنهجية التي اختارها له الأب أو الأم.

ما هو مجتمع ابن خلدون للتعليم الذاتي؟

“مجتمع ابن خلدون للتعليم المنزلي” هو مؤسسة قائمة من أجل دعم التعليم المنزلي في العالم العربي من الناحية العلمية والأكاديمية، وتقديم الدعم اللازم للآباء والأطفال المتعلمين منزليًا، بدايةً من المعلومات العامة وترشيح المناهج الدراسية وتقديم الاستشارات التربوية والنفسية، وانتهاءً بالأدوات المستخدمة في التعليم المنزلي، وذلك بحسب ما قالت العضوة المؤسسة للمجتمع، مشيرةً إلى أن الفكرة بدأت منذ أكثر من ثلاث سنوات، ولكنها لم تنطلق إلا من ثلاثة أشهر فقط.

كما أوضحت خلال حديثها عن المؤسسة، أن مجتمع ابن خلدون مرخص في تركيا، وأنا لمؤسسة عدة أدوار، هي الدعم الأكاديمي والمعلوماتي، بالإضافة لتقديم الاستشارات التربوية والنفسية، وأخيرًا إنشاء مجتمع إلكتروني للتشبيك بين المتعلمين منزليًا، ومن خلال الدور الأخير يمكن أن يتبين لنا لماذا تم توصيف المؤسسة كـ”مجتمع″، إذ أن العالم العربي يفتقد للمجتمعات الداعمة للتعليم المنزلي وهو ما تحاول المؤسسة صنعه.

كما عللت “أروى الطويل” اختيار المجتمع لدعم استراتيجية التعليم المنزلي دون غيرها، بأن التعليم المنزلي يُسند مهمة التربية والتعليم في الأساس إلى أكثر الناس حبًا واهتمامًا بالطفل، وهما الآباء أنفسهم. وعند تدريب الآباء وزيادة وعيهم بأساليب التعاليم المنزلي الصحيحة، ينبثق أمل حقيقي في حماية الأطفال من القولبة والتنميط ويصبح المستقبل على غير العادة غير متوقع.

ما الذي تقدمه المؤسسة للآباء؟

وبسؤالها عما يمكن أنت تقدمه المؤسسة للآباء، أوضحت “الطويل” أن المؤسسة تقدم الدعم المعلوماتي في كيفية التعليم المنزلي والطرق المختلفة، بالإضافة إلى مراجعة للمناهج المختلفة -معظمها أجنبية- كما تعمل المؤسسة الآن على إعداد مناهج متخصصة باللغة العربية الفصحى، ماضيةً بقولها أن “التعليم المنزلي منظومه كاملة.. إذا تم تنفيذها بشكل صحيح وتطبيق جميع أركانها فستكون بديل أفضل من التعليم النظامي بمراحل”.

الشهادات التي يمكن أن يحصل عليها المتعلم المنزلي:

وأما عن الشهادات التي يمكن للمتعلمين منزليًا الحصول عليها، لفتت “الطويل” إلى مناهج كلها أجنبية حتى الآن، يتم الالتحاق بها للحصول على تقييم للطفل واعتماده، من الدولة الراعية للمنهج، كما أن هناك حلول متعددة، منها التسجيل الصوري في أحد المدارس المصرية للحصول على شهادة.

كما أكدت أن الالتحاق الصوري بالمدارس النظامية لن يفقد التعليم المنزلي فائدته، نظرًا لأن مستوى الطالب المتعلم منزليًا -بحسب الإحصائيات-يكون متفوقًا بكثير على الطلاب في المدارس العادية، بالإضافة إلى أن الهدف ليس الدرجات بل الشهادة، كما أن كثيرًا من الآباء يأخذون مناهج المدارس العادية ولكن يتم الالتزام بأطرها العامة فقط، والتعليم بطريقة مختلفة.

مستقبل التعليم المنزلي في الوطن العربي:

وفي ختام حوارها مع الشبكة، كشفت “أروى الطويل” عن توقعات “مجتمع ابن خلدون” أن يكون هناك إقبال جيد للتعليم المنزلي وأخذه كخيار أساسي لتربية وتعليم الأطفال في عالمنا العربي، نظرًا لانهيار التعليم في مجتمعاتنا بشكلٍ كامل، ولذلك فإن هناك احتياج عاجل للتعليم المنزلي، معربةً عن آمالها في اعتماد التعليم المنزلي في الدول العربية، مع زيادة أعداد المتعلمين منزليًا.

المصدر: رصد