egyptiangeographic.com_15176057731

مدينة صغيرة، أتخذها المصريون القدماء مكاناً للعبادة لمئات السنين، بدأ بمكان صغير، وتحول ليضم أهم مجمع ديني في العصر القديم، وصفتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، التي تُعرف عالميا باسم اليونسكو عام 1979 ميلادية بأنها أعظم تراث بشري.

“معبد الكرنك”.. ذلك المعبد الأثري الذي يقع على الضفة الشرقية لنهر النيل، تحديدا بمدينة الأقصر، التي كان يُطلق عليها في العصور الفرعونية السحيقة إسم “طيبة”، أو “المدينة المحصنة” التي كانت تُعرف بـ”أبيت رست”، أي المكان الأكثر هيبة ووقارا.

 بدأ البناء في هذا المجمع بدير صغير أنشأ في عهد الملك “سنوسرت الأول” في الدولة الوسطي، واستمر حتي العهد البطلمي، تلك الفترة الطويلة شهدت حكم 30 فرعونا ساهموا في توسعاته، حتى وصلت مساحته إلى 30 هكتار، كل قطعة تميزت بسمات خاصة بها تتبع الحكم الذي شهدته، حتى إنه يضم مجموعة كبيرة من المعابد كونت مجمع ديني متكامل.

egyptiangeographic.com_1517605517_1

قديما، كان يُعرف معبد الكرنك بإسم “بر آمون”، أي بيت آمون إله الشمس والخصوبة، أما في الدولة الوسطى فكانت المنطقة المحيطة بالكرنك تسمى “إبيت – إسوت”، أي الأكثر إختيارا، لأنه كان المكان الرئيسي لعبادة الإله آمون، وقد عُثر على هذا الإسم منقوشا على جدران مقصورة “سنوسرت الأول”، كما أتخذ العديد من الأسماء الأخرى منها “نيسوت – توا”، أي عرش الدولتين، ومع ظهور اللغة العربية تم تحريفه ليصبح “الكرنك”.

كل تلك الأسماء جاءت بسبب اعتقاد المصريين القدماء أن “طيبة” هي أول مدينة تأسست على الهضبة التي ارتفعت عن المياه في بداية تكوين الأرض، وكان الاعتقاد الراسخ في ذلك الوقت، أن تلك الهضبة ارتفعت ليقف عليها الإله “بتاح” الذي كان يُعرف بالإله “أتوم”، وهو الإله “الكامل” الذي يترأس قائمة تاسوع هليوبوليس، حتى يبدأ الخلق، كما كان هناك اعتقاد بأن الكرنك كان مرصدا عريقا يتفاعل فيه الإله “آمون” مباشرة مع أهل الأرض.

ويُعد معبد الكرنك ثاني أكبر مجمع ديني قديم في العالم بعد معبد “أنغكور وات” في كمبوديا، كما يعتبر ثاني أكثر المواقع التاريخية زيارة في مصر، بعد أهرامات الجيزة، ويتكون من أربعة أجزاء رئيسية هي فناء “آمون رع″، ومقاطعة “موت”، ومقاطعة “مونتو” ومعبد “أمنحوتب الرابع″ الذي تم تفكيكه، بالإضافة إلى عدد قليل من المعابد الصغيرة والمقدسات التي تربط بين مقاطعة موت، ومعبد آمون رع، ومعبد الأٌقصر.

يمثل “طريق الكباش” البوابة الرئيسية للمعبد، وهو عبارة عن صفين من التماثيل لمجموعة من الكباش، كان يُسمي قديما بطريق “وات نثر”، ويمتد لمسافة 2.7 كيلومتر، ويصل عرضه 76 مترا، يوجد على جانبيه 1200 تمثال على شكل أبي الهول برأس كبش، تلك الرأس ترمز للإله آمون، وضعت بهذا الشكل كنوع من الحماية للمعبد، وفي نهاية الطرف الآخر من طريق الكباش يوجد صرح آخر عظيم، وهو معبد الأقصر.

egyptiangeographic.com_1517605517_2

بمجرد العبور من البوابة، نجد فناء “آمون رع″، وهو فناء واسع تبلغ مساحته نحو 250 ألف متر مربع، بدأ العمل في بناؤه خلال الأسرة الـ18، عندما أصبحت طيبة عاصمة مصر القديمة الموحدة، على اليسار منه يوجد أحد أعمدة الطهارقة، بالإضافة إلى تمثال بينوزم الأول، وعلى اليمين يوجد معبد رمسيس الثالث.

أما في الواجهة، فيوجد بهو من الأعمدة، الذي بدأ بناؤه في عهد الأسرة الـ18، في حين إكتمل اغلب البهو في عهد ملكي الأسرة الـ19 “سيتي الأول” و “رمسيس الثاني”، ويبلغ مساحة هذا البهو 5 آلاف متر مربع، يضم 134 عامود ضخم، يأتي في 16 صف متتالي، منهم 122 عامود يصل إرتفاعه إلى 10 متر، بينما يوجد 12 عامود آخر يصل إرتفاعه إلى 21 متر، كما يبلغ قطر كل عامود منهم 3 متر، وبالقرب منه تستقر مسلات “تحتمس الأول” والملكة “حتشبسوت”، يليها مجموعة غرف وأفنية صغيرة، وهذا المعبد لم يكن يدخله سوى الفرعون والرهبان فقط.

egyptiangeographic.com_1517605517_3 (1)

يوجد على رأس هذه الأعمدة دعامات تزن الواحدة منها ما يقرب من 70 طن، يعتقد إنها رُفعت إلى هذا الإرتفاع بإستخدام الرافعات، لكن لأن هذه العملية تستغرق وقتا طويلا، وتحتاج إلى توازن كبير للوصول إلى هذه الارتفاعات الكبيرة، فاستقرت نظرية بديلة حول كيفية نقلها، وهي أن الفراعنة قاموا بإنشاء منحدرات كبيرة من الرمال والطين والحجر، ثم سحبوا عليها تلك الأحجار العملاقة، حتى أعلى المنحدرات، ليضعوها وتستقر كل قطعة أعلى العامود المخصصة له.

ويضم “الكرنك” أكثر من معبد منها معبد الإله “آمون رع″، إله الشمس والريح والخصوبة، وهو أحد الآلهة الرئيسية في الديانة المصرية القديمة، وإسمه يعني “الإله الخفي”، والحقيقة إنه من الصعب معرفة كيف كان ينطق إسمه بالضبط، لأن اللغة الهيروغليفية القديمة كانت تستخدم الحروف الساكنة، فكان يكتب “أمن” وينطن “أمِن”.

كما يوجد مقاطعة الآلهة “موت” زوجة الإله “آمون رع″ وأم الإله “خونس″، وأسمها يعني الآلهة “الأم”، والتي قامت بإنشائها الملكة “حتشبسوت” من الأسرة الـ18، ورغم تخريب الهكسوس لتلك المقاطعة إلا أن أحد مسلاتها مازال واقفا بإعتباره أطول مسلة قديمة على وجه الأرض، أيضا يوجد معبد الإله “منتو”، إله الحرب عند القدماء المصريين، كان يمثل على شكل رجل برأس صقر، علي رأسه تاج من ريشتين، بينهما قرص الشمس، وعادة ما يظهر أسفل يسار الكتب المكتوبة باللغة الهيروغليفية، على شكل “م – ن – ت – و”.

egyptiangeographic.com_1517605517_4

يوجد أيضا معبد للإله “بتاح”، والإله “خونسو” إله الشباب والقمر، كما يحتوي أيضا على معبد مبكر بناه الملك “أمنحتب الرابع″ الذي عُرف تاريخيا بإسم “إخناتون”، وحكم مصر في منتصف القرن الرابع عشر قبل الميلاد، وقام ببناء هذا المعبد داخل طيبة قبل دعوته للإله الواحد “آتون”.

وفي قلب الكرنك توجد “البحيرة المقدسة”، تلك البحيرة التي مازالت تعتبر سر من أسرار الفراعنة، بمياهها الثابتة التي لا تجف طوال العام، رغم بعدها عن نهر النيل، ورغم مرور 3 آلاف سنة على وجودها، منذ حُفرت في عهد الملك الأسطورة “تحتمس الثالث” سادس فراعنة الأسرة الـ18، وحتى الآن، والغريب أنها لا تجف رغم عوامل الفقد والبخر والتسرب، حتى أن نساء الأقصر أصبحوا يعتقدون بقدسيتها، ويذهبون إليها للتبرك بها.

يبلغ طول تلك البحيرة 80 متر، بينما يصل عرضها 40 مترا، قديما كان يحيط بها سورا ضخما تهدم مع مرور الزمن، وكان ملوك وكهنة وخدم المصريين القدماء يغتسلون داخلها قبل بداية أي مراسم دينية، أو الاحتفالات القومية المرتبطة بالمعابد، يوجد على جانبي البحيرة الشمالي والجنوبي مقياسين للنيل، مهمتهما تحديد مواعيد الفيضان كل عام، ومازال للبحيرة مدخلان، الأول من الجهة الشرقية، والثاني من الجهة الغربية.

وفي عام 323 ميلادية، قام الإمبراطور الروماني كايُس فلاڤيُس ڤاليريُس أَوريليُس كونستانتِنُس الذي يُعرف تاريخيا بإسم قسطنطين الأول بالإعتراف بالدين المسيحي، وفي عام 326 ميلادية، أمر إبنه الثاني قنسطانطيوس الثاني بإغلاق كافة المعابد الوثنية في جميع أنحاء الإمبراطورية، وغالبا ما يكون تم التخلى عن الكرنك في ذلك الوقت، خاصة وأن الكنائس المسيحية تأسست بين أنقاضه، وأبرز مثال على ذلك هو إعادة استخدام قاعة المهرجان في القاعة المركزية لتحتمس الثالث، فمازال من الممكن رؤية الزخارف المرسومة من القديسين والنقوش القبطية.