طيار سويسرى لا يدع مجالًا للخطأ فى أثناء رحلة طويلة عبر المحيط الهادى.

طائرة سولار إمبلس2

تصوير: فريق سولار إمبلس

صُممت طائرة سولار إمبلس2 التى تعمل بالطاقة الشمسية لتقوم برحلة هى الأصعب إلى يومنا هذا، وقد صُنعت طائرات عديدة تعمل بالطاقة الشمسية وطارت بنجاح، لكن لم يسبق لها أن طارت لأيام، وفى أثناء الليل، وعبر المحيطات.

مغامر سويسرى داخل المقصورة الضيقة لطائرة سولار إمبلس 2 التى تعمل بالطاقة الشمسية بالكامل ليبدأ رحلة غير مسبوقة عبر المحيط الهادى.

سيقلع أندريه بورشبيرج من ممر إقلاع طائرات فى نانجينغ بالصين ليبدأ المرحلة السابعة من أصل اثنتى عشرة مرحلة فى مُخطط للطواف حول الكرة الأرضية.. وسيقضى الطيار المحارب سابقًا أغلب أيام الأسبوع فى الجو، وستعمل الطائرة ليلًا ونهارًا، وسوف يتجه إلى هاواى بارتفاع يصل إلى 30 ألف قدم (9144 مترًا)، وسوف يطير بعيدًا عن الجزر ومدرجات هبوط وإقلاع الطائرات وما توفره من وسائل أمان أو إنقاذ، فسوف يطير عبر مساحة شاسعة مهجورة فوق المحيط، وقد يكون مصيره أشبه بمصير أميليا إيرهارت التى اختفت منذ 77 عامًا.

من المخطط أن تبدأ الرحلة يوم الثلاثاء إذا سمحت الأحوال الجوية وتستمر لمدة 5 أيام وربما 7 لأن الطائرة المصنعة خصيصًا لتعمل بالطاقة الشمسية، والتى تتميز بخفة وزنها، ستناضل ضد الرياح المحيطية والطقس الذى ستواجهه عند المرور بـ 5077 ميلًا (8170,6 كيلومتر) من أجل الوصول إلى هونولولو.

ستكون رحلة طيران بورشبيرج أول رحلة على الإطلاق تعبر مثل هذه المساحة الشاسعة بطائرة تعمل بالطاقة الشمسية – إذا صحت التوقعات – وبها تتأسس وسيلة جديدة للمواصلات تُستخدم فيها وسائل التكنولوجيا النظيفة.

طائرة تعمل بالطاقة الشمسية فى جولة حول العالم.

صرَّح بورشبيرج مؤخرًا: “ستكون لحظة تنجلى فيها الحقيقة؛ فقد أجرينا العديد من التجارب لكننا لم نقم برحلة كهذه قطُّ”.

وأضاف وهو يضحك: “وسترى المهندسين متوترين إلى حدٍّ ما”.

صمم بورشبيرج وصديقه فى المغامرة برتراند بيكارد الذى يعمل طبيبًا نفسيًّا سويسرى الجنسية الرحلة؛ ليخترقا عالم الطيران الذى تعمل فيه الطائرات بالطاقة الشمسية، ويلقيا الضوء على إمكانات الطاقة المتجددة.

شغلت بيكارد هذه الفكرة منذ ما يعدو على 12 عامًا عندما أوشك الوقود على النفاد فى أثناء محاولة للقيام بأول رحلة طيران تجوب العالم بمنطاد يعمل بالغاز. وفى النهاية، نجح فى إتمام الدوران حول العالم فى 19 يومًا، بيد أنه تعهد بألا يدع الوقود يقف أمامه عائقًا مرة ثانية بعد انتهاء جولته التاريخية.

وقال: “وددت أن أستطيع الطيران إلى ما لا نهاية”.

واليوم وبعد سنوات من البحث والتجارب صُممت طائرة سولار إمبلس 2 لتحقق مُرادى بالضبط ولو نظريًّا على الأقل.. وتوافق هيئة الطائرة وظيفتها، فيصل باع جناحها إلى 71,9  متر، وهو أرحب من نظيره لطائرة ركاب من طراز بوينج 747 وجسمها طويل ورشيق ومصنوع من الكربون الخفيف.

 

وتمتد على قمم الجناح طبقة مرصعة بأكثر من 17 ألف خلية ضوئية وأسفل العمود الفقرى للطائرة، وتغذى شبكة الخلايا الضوئية كل أجهزة الطائرة بدءًا من أجهزة الكمبيوتر التى على متنها، والكاميرات فى المقصورة، وصولًا إلى محركاتها الكهربائية الأربعة، وتغذى الخلايا أيضًا أربع بطاريات عالية الكفاءة تختزن ما يكفى من الطاقة أثناء النهار لتعمل أثناء الليل.

سولار إمبلس

خط سير الطائرة سولار إمبلس 2

جون تومانيو من فريق ناشيونال جيوجرافيك

المصدر: سولار إمبلس

إن الوصول إلى هاواى (الذى استغرق عدة أيام فى عبور المحيط) يقدم أول محاولة حقيقية لطائرة سولار إمبلس 2، وسيتم الاقتضاء بهذه التجربة فى الحال عندما ينطلق بيكارد ليطير فى الاتجاه الشرقى حيث فينيكس بآريزونا من دون هبوط.

وسيتم اختبار بيكارد وبورشبيرج أيضًا؛ إذ إن كليهما من شأنه أن يقضى أيامًا بمفرده فى مقصورة يقترب حجمها من صندوق سيارة، وسيجلس على مقعد ينثنى كمقعد المرحاض، ولن يستطيعا الوقوف داخلها، وإن كان المقعد مريحًا يمكن الاضطجاع عليه، ولن ينام إلا غفوة يمكنه أخذها عند الطيران الآمن.

صرَّح بورشبيرج الذى قاد طائرات محاربة لسنوات عديدة بالقوات الجوية الاحتياطية السويسرية – قائلًا: “لأول مرة يمتد بنا الوقت فى الطائرة، وكل دورة من ليل ونهار ستكون مختلفة، وستورد إلينا معلومات غزيرة”.

أندريه بورشبيرج

تصوير: فيليب تشيونج، ناشيونال جيوجرافيك

أقام أندريه بورشبيرج – رجل أعمال وطيار سويسرى محارب سابقًا – مشروع سولار إمبلس بالتعاون مع برتراند بيكارد عام 2004. سيقود بورشبيرج الطائرة فى أصعب مراحلها حتى الآن فى رحلة تستمر لما يقرب من أسبوع من دون توقف، وسوف تقوم الرحلة من نانجينغ بالصين وتمر بالمحيط الهادى إلى أن تصل لـ “هاواى”.

بدأ الرجلان رحلتهما فى مارس الماضى، وأقلعا من مطار عسكرى بدبى واتجها شرقًا إلى عُمان وبورما حتى وصلا إلى الهند والصين.. وقد عكف كل من بيكارد وبورشبيرج والفريق المساعد على نشر رسالتهم عن التكنولوجيا النظيفة عند الوقوف للصيانة ونَيْل قسط من الراحة؛ فقد أدلوا بأحاديث لمن قابلوهم من السكان المحليين، وفتحوا الطائرة لآلاف الفضوليين من الزوار.

وقد أوضح الطياران أن أجهزة الطائرة تعمل على ما يُرام حتى الآن فى أثناء رحلات وصلت مدة الطيران فيها إلى 20 ساعة، وقد أزعجتهم مشكلات فنية صغيرة تتمثل فى عدم ملاءمة أقنعة الأكسجين، وتعطل إحدى الخلايا الضوئية، وعدم اشتعال جهاز الإنذار فى المقصورة إلا أن فريق المساعدة على الأرض سرعان ما عالج هذه المشكلات.

كدت أختفى ولا يرانى جهاز الرادار الخاص بمراقبة المرور الجوى؛ لأننى كنت أطير إلى الوراء!

بيرتراند بيكارد

ثمة تحدٍّ يواجه الطيارين باستمرار؛ إذا إنهما كانا بصدد ريح عاتية متعامدة؛ تلك الريح التى نادرًا ما تعوق الطائرات الأثقل وزنًا فما بالك بهذه الطائرة؟ فخفة وزنها يزيدها قوة، لكنهما واجها أمرًا لم يستطيعا السيطرة عليه يتمثل فى بطء الطيران؛ فخفة وزن طائرة سولار إمبلس 2 يساعد فى دفعها بالطبع أو يضطرهما  إلى إحداث تغييرات فى خطة الطيران، وهما يأملان إتمام الجولة عبر المحيط الهادى قبل بدء الرياح الموسمية.

وفى أثناء الجولة عبر آسيا أدت الريح المتعامدة إلى إرجاء مواعيد الإقلاع والهبوط عدة مرات، ودفعت بيكارد إلى الوراء عند اقترابه من مطار تشونغتشينغ بالصين.

وأضاف بيكارد قائلًا: “كدت أختفى ولا يرانى جهاز الرادار الخاص بمراقبة المرور الجوى؛ لأننى كنت أطير إلى الوراء!”.

سوف يضع الإقلاع من هاواى الطائرة وطياريها فى بُعد جديد من المتغيرات؛ إذ إن الجو قد تزداد حدته ومن الصعب التنبؤ به، ولا يمكن تصليح بعض الأعطال الطفيفة بسهولة، كما أن الإجهاد والإرهاق أيضًا الذى يصيب الطيارين يمثل عبئًا إن لم يكن أصعبها.

بيد أن بيكارد وبورشبيرج قالا إنهما ظلا سنوات يحددان المخاطر، ويبحثان عن طرق لعلاج كل ما يخرج عن المسار..وقد هبطا بالمظلات فى المياه الباردة ببحر الشمال بالاتفاق مع البحرية الألمانية، وقد تدربا على فك أنفسهما من الحبال الملتوية والالتحاق بطَوْف الإنقاذ.. وقد صمما بالتعاون مع مدربى يوجا وأطباء – أساليب فى الـتأمل وأنظمة غذائية جديرة بإيقاظهما ومساعدتهما فى التمتع بصحة جيدة.

 

وفى أثناء كل مرحلة من الرحلة سيراقب فريق مراقبة المهمة – الكائن بموناكو – خط سير الطائرة، وسوف يوافى بتقارير منتظمة عن أحوال الطقس.. وسيكون ضمن الفريق طيارون سابقون بعضهم أصدقاء قدامى لبورشبيرج أثناء خدمته العسكرية؛ لإسداء النصيحة وتقديم المساعدة.

سولار إمبلس2

تصوير: فريق سولار إمبلس

تعمل الطائرة بالكامل بـ 17248 خلية ضوئية متراصة على امتداد أجنحتها وذيلها وهيكلها الأساسي، وعلى الخلية استجماع ما يكفى من أشعة الشمس وتخزينها أثناء النهار لتعمل أثناء الليل.

إذا توجب على بورشبيرج أو بيكارد الهبوط الاضطرارى، فعليه أن يأخذ معه مظلة، وطَوْف الإنقاذ وطعامًا وراديو.. ومن ثم تصدر إشارة من الطائرة تطلب الإنقاذ سواءً من خلال البحرية بشكل ودى أو من خلال سفينة مارة إذا أسعده الحظ.

كانت أميليا إيرهارت جميلة الوجه، وسأظل أذكرها كلما طِرتُ طيلة حياتى.

برتراند بيكارد

وترتبط مثل هذه التجهيزات – بالنسبة لبيكارد – بموروث عائلى من المغامرة؛ ففى عام 1960 ركب جاك والد بيرتراند بيكارد غواصة أعماق ونزل إلى أكثر المناطق عمقًا فى المحيط الهادى. وفى عام 1931، طاف جده أغسطس فى طبقة الستراتوسفير (إحدى طبقات الجو العليا) على متن منطاد مُجهز بكبسولة ركاب مُكيفة الضغط.

بيرتراند بيكارد

تصوير: فيليب تشيونج، ناشيونال جيوجرافيك

كان بيرتراند بيكارد مع زميله الطيار بريان جونز أول من طاف حول الكرة الأرضية لأول مرة على متن منطاد من دون توقف عام 1999، وقد أوحت إليه هذه الجولة بفكرة تصميم طائرة تعمل بالطاقة الشمسية ولا تتوقف عن الطيران أبدًا.

كان أغسطس من بين معارف أميليا إيرهارت، ويذكر بيرتراند بيكارد أن لديه صورة فوتوغرافية قديمة تجمعهما.

وأضاف بيكارد قائلًا: “أكاد أغار من جدى عند رؤية هذه الصورة؛ فقد كانت إيرهارت جميلة الوجه، وسأظل أذكرها كلما طِرت طيلة حياتى”.

وأوضح بورشبيرج قبل القيام برحلة الطيران أنه كان مشغوفًا لرؤية كيف يتآلف الجو مع التكنولوجيا مع صمود الإنسان وصبره فى الأيام المقبلة، وقد قضى أكثر من عقد من الزمان يفكر فى هذه الرحلة، وكان يحلم بها من دون أن يدع هذا الحلم يشكل هاجسًا له.

وأضاف قائلًا: “فمن الأهمية بمكان أن تكون هادئًا مستكينًا بمعزلٍ عما يجلب التوتر، على ألا يهيمن الهدف على تركيزك، فأنا مشغوف لما سيأتى أكثر من كونى متوترًا. أعتقد أننا صنعنا طائرة عظيمة”.

وخلال الأيام المقبلة سيصبح هذا الاعتقاد حقيقة من خلال الطيران فوق أكبر محيط فى الكرة الأرضية بطائرة تعمل بالطاقة الشمسية، وهو يعلم أنه عند نقطة معينة ستتحقق أفكاره وسوف تلمس عجلات الطائرة اليابسة عند هبوطها فى أمن وسلام بعد انتهاء الرحلة.. وقال إن من شأنه أن يحاول ألا تتعدد أمنياته أكثر مما ينبغى.

بقلم: نيل شيا لناشيونال جيوجرافيك

هذا المحتوى مقدم رسميًا من:

ناشونال جيوجرافيك

اقرأ أيضًا:

حل لغز الكوكب الأحمر.. اكتشاف مياه على سطح المريخ!!

4 مكتشفين أفذاذ ندين لهم بالفضل في كل يوم!

رحلة لمعرفة تفاصيل حياة “التي ريكس″.. سيد الديناصورات!